سوق مواد البناء في روسيا: إنتاج الأسمنت يهبط إلى أدنى مستوياته منذ الجائحة تحت وطأة الواردات وتراجع الطلب

سوق مواد البناء في روسيا
سوق مواد البناء في روسيا

يواجه سوق مواد البناء في روسيا أزمة متعمقة. فقد تراجع إنتاج الأسمنت إلى مستويات عام 2020 التي شهدت ذروة جائحة كورونا، واضطر أكبر منتج في البلاد إلى تعليق العمليات في عدة مصانع، بينما تلتهم الواردات الرخيصة من بيلاروسيا وإيران حصة متزايدة من سوق متقلصة أصلاً. يعكس هذا التراجع تباطؤاً أوسع في قطاع البناء الروسي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الفائدة، وسحب برامج الرهن العقاري المدعومة، وانخفاض عمليات بدء الإسكان.

إنتاج الأسمنت: العودة إلى مستويات 2020

وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء الروسية “روسستات”، بلغ إنتاج الأسمنت بين يناير وأكتوبر 2025 نحو 50.41 مليون طن، وهو مستوى يعادل تقريباً أحجام عام 2020 عندما انهار الإنتاج بسبب أزمة كوفيد-19. وتراجع الإنتاج الشهري بشكل حاد في الخريف، حيث بلغ إنتاج أكتوبر 2025 نحو 5.24 مليون طن، بانخفاض 658 ألف طن عن سبتمبر، أي بنسبة 11% على أساس شهري.

وتقدّر هيئة “سويوزتسيمنت” القطاعية إنتاج العام بأكمله 2025 بنحو 58.3 مليون طن، أي بانخفاض سنوي يبلغ حوالي 10.4% مقارنة بـ65.1 مليون طن في عام 2024. وتُظهر البيانات النهائية للفترة من يناير إلى ديسمبر 2025 انخفاض الإنتاج بنسبة 9.8% إلى 58.6 مليون طن، وانخفاض الاستهلاك بنسبة 9.0% إلى 60.7 مليون طن.

وفي عام 2026، تفاقم الانحدار. فقد هبط إنتاج يناير بنسبة 32.7% على أساس سنوي إلى 1.8 مليون طن، وانخفض إنتاج فبراير بنسبة 26.7% إلى 2.4 مليون طن، وتراجع إنتاج مارس بنسبة 15.3% إلى 4 ملايين طن. وبذلك انخفض الإنتاج التراكمي للنصف الأول من عام 2026 بنسبة 12% إلى 24.3 مليون طن.

وعلى المستوى الإقليمي، تبدو الحالة في سيبيريا أكثر خطورة. فقد انهار إنتاج شركة “سيبتسيم” في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 38% على أساس سنوي، لتنتج مصانعها الخمسة مجتمعة 524.6 ألف طن فقط. وانخفض إنتاج مصنع “توبكينسكي سيمنت” الرئيسي بنسبة 47% إلى 185.1 ألف طن، ومصنع “أنغارسك” بنسبة 49%. وتتوقع الشركة انكماش سوق الأسمنت السيبيري بنسبة 15% على الأقل خلال العام.

اتجاه الأسعار: إشارات انكماشية في قطاع مواد البناء

على عكس بيئة التضخم العامة في روسيا، ظلت أسعار مواد البناء subdued. ووفقاً لبيانات “روسستات” لأبريل 2026، بلغ المؤشر الموحد لأسعار السلع الاستثمارية 99.7% مقارنة بمارس 2026، مما يشير إلى انكماش. وبلغ مؤشر أسعار المنتجين لمنتجات البناء 100.2% على أساس شهري.

وفي فئات محددة، انخفضت أسعار الطوب الخزفي للبناء في أبريل 2026 إلى 92.8% مقارنة بمارس، وانخفض الخرسانة الجاهزة إلى 97.1%، وحديد التسليح إلى 94.0%. وظلت أسعار الأسمنت البورتلاندي ثابتة تقريباً عند 99.8%. وارتفعت أسعار الحصى بنسبة 4.9% على أساس شهري، لكن ذلك جاء بعد انخفاضات حادة في الأشهر السابقة.

وتؤكد إيلينا أزاروفا، مديرة قسم B2B في شركة “بتروفيتش” لتجارة مواد البناء: “في العديد من فئات المواد الثقيلة، نرى فعلياً انكماشاً. تكلفة مواد البناء ليست الكارثة التي يحتاج القطاع للقلق بشأنها أولاً”. وتقدّر نمو الأسعار بمتوسط 5%، مع ظهور انخفاضات مطلقة في بعض الفئات.

الواردات: بيلاروسيا تهيمن لكن الزخم يتراجع

على الرغم من فائض الطاقة الإنتاجية المحلية، تستورد روسيا سنوياً نحو 4 ملايين طن من الأسمنت، بشكل رئيسي من بيلاروسيا وإيران. وبحلول نوفمبر 2025، بلغت الواردات 3.6 مليون طن، وتوقعت “سويوزتسيمنت” أن تصل واردات العام بأكمله إلى 3.7 مليون طن على الأقل. وتستحوذ بيلاروسيا على نحو 69% من الإجمالي، وإيران على حوالي 20%، وكازاخستان على حوالي 9%.

لكن في عام 2026، تراجع زخم الواردات بشكل ملحوظ. ففي الفترة من يناير إلى يوليو، استوردت روسيا 1.7 مليون طن من الأسمنت، بانخفاض 21.9% على أساس سنوي. ويشير فلاديمير غوز، الشريك الإداري في “SMPRO”، إلى أن الدول المصدرة الرئيسية — بيلاروسيا وإيران وكازاخستان — قلصت إمداداتها، لأن السوق الروسية لديها طاقة خاملة كافية والمنافسة شديدة، مما يقلل الجاذبية الاقتصادية للاستيراد.

فائض الطاقة الهيكلي

يعاني قطاع الأسمنت الروسي من فائض هيكلي مزمن في الطاقة الإنتاجية. إذ تبلغ الطاقة التصميمية الإجمالية لمصانع الأسمنت الروسية نحو 104 ملايين طن سنوياً، بينما بلغ الاستهلاك في 2024-2025 نحو 60 إلى 67 مليون طن فقط. وهذا يعني أن القطاع يعمل بمعدل استخدام يقارب 50%، مع طاقة خاملة تتجاوز 50 مليون طن سنوياً، وهو أدنى بكثير من المتوسط البالغ نحو 60% خلال العقد الماضي.

ولا تشكل الواردات حصة كبيرة من سوق مواد البناء الروسية بشكل عام. فوفقاً لبيانات وزارة الصناعة والتجارة، تمثل الواردات نحو 4% من السوق، وتتركز في القطاعات الراقية. ويرى الخبراء أن حظر مواد البناء الأجنبية ليس التهديد الرئيسي، بل تكمن المشكلة الأساسية في الداخل — تباطؤ قطاع البناء، وإلغاء الرهن العقاري المدعوم، وارتفاع سعر الفائدة الرئيسي، وانخفاض بدء مشاريع الإسكان الجديدة.

بناء المساكن: نمو وانكماش في آن واحد

يشكل بناء المساكن المحرك الأساسي للطلب على مواد البناء، ويظهر حالياً وجهين متباينين. فمن ناحية، انتعشت عمليات بدء المشاريع الجديدة في أوائل عام 2026. فقد بلغت مساحة المشاريع السكنية الجديدة في الربع الأول من 2026 نحو 10.7 مليون متر مربع، أي 1.4 ضعف الفترة المقابلة من 2025. وبلغت المساحة المبدوءة في مارس وحده 4.2 مليون متر مربع، بزيادة 24% على أساس سنوي. وتصدرت منطقة موسكو (823 ألف متر مربع، +119%) ومنطقة لينينغراد (762 ألف متر مربع، +124%).

لكن من ناحية أخرى، انخفضت عمليات إنجاز المساكن. فقد تراجعت مساحة المساكن المنجزة في النصف الأول من 2026 بنسبة 18% على أساس سنوي إلى 42.8 مليون متر مربع، وهو أدنى مستوى منذ 2021. وقال نائب رئيس الوزراء مارات خوسنولين إن أكثر من 58 مليون متر مربع من المساكن سُلّمت في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مع تسجيل انخفاض معين.

ويعكس هذا التباين بين “زيادة البدء وانخفاض الإنجاز” تعديل المطورين لاستراتيجياتهم: فهم أكثر نشاطاً في إطلاق المشاريع الجديدة، لكن وتيرة البناء الفعلية مقيدة بتكاليف التمويل وطلب السوق.

مواد البناء الفولاذية: تعافٍ جزئي بفعل احتياجات الإصلاح الحربي

على عكس ركود قطاع الأسمنت، أظهرت مواد البناء الفولاذية علامات تعافٍ في النصف الثاني من 2026. فقد بدأ منتجو الصلب الروس يرون تحسناً في الطلب المحلي والأسعار اعتباراً من يوليو، حيث ارتفعت أسعار اللفائف المدرفلة على الساخن في منطقة موسكو بنحو 30% منذ يناير، وقفزت أسعار حديد التسليح المستخدم في تقوية الخرسانة بنحو 74% خلال الفترة نفسها.

أحد محركات التعافي هو إصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب. فالأضرار التي لحقت بالمنشآت بسبب هجمات الطائرات بدون طيار الأوكرانية تحتاج إلى إصلاح، كما أن بناء الهياكل الدفاعية، بما في ذلك الملاجئ والحواجز الواقية، يحفز الطلب على حديد التسليح. كما أُعيد إطلاق مشاريع بناء متأخرة، مما دعم الطلب على الصلب.

لكن استدامة هذا التعافي موضع شك. فبيانات فبراير 2026 تُظهر استقرار أسعار المنتجات المعدنية المستخدمة في البناء بعد انخفاض طويل، لكن نمو الطلب يُتوقع أن يظهر فقط مع انتعاش نشاط البناء في مارس وأبريل.

الاستجابة السياسية: توطين المشتريات الحكومية

في مواجهة محنة القطاع، تدرس الحكومة الروسية إدخال “نظام وطني” يمنح الأولوية في المشتريات الحكومية لمنتجات الجرانيت والزجاج والسيراميك من روسيا ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وتُظهر بيانات وزارة الصناعة والتجارة انخفاض إنتاج مواد البناء بنسبة 8.3% في 2025، مع احتمال انخفاض إضافي بنسبة 22% في 2026.

وأعرب فياتشيسلاف تيمتشينكو، رئيس لجنة اللوائح والتنظيم البرلماني في مجلس الاتحاد، عن دعمه لهذا المقترح، معتبراً أن “مواد البناء من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تلبي جميع المتطلبات اللازمة، ومنح الأفضلية للموردين سيحسّن جودة منتجات البناء”.

كما اقترحت وزارة الصناعة والتجارة حظر استيراد السقالات المعدنية السوداء ومكوناتها، والمطالبة بحصة إلزامية للمنتجات الروسية تبلغ 90%.

الدهانات والمواد الكيميائية: مشكلة الاعتماد على المواد الخام

على الرغم من أن قطاع الدهانات والطلاءات أكثر مرونة من قطاع مواد البناء ككل، إلا أنه يواجه تحديات هيكلية خاصة. وتُظهر بيانات “سيبور” انخفاضاً في الإنتاج الإجمالي لقطاع البناء بنحو 11% على أساس سنوي، لكن قطاع الدهانات انخفض بنسبة قليلة فقط. ومع ذلك، لا يزال القطاع يعتمد بشكل كبير على المواد الخام المستوردة، بنسبة اعتماد تبلغ 44%.

والاعتماد غير متوازن إلى حد كبير: فحصة الواردات في المشتتات المائية 17% فقط، وراتنجات الألكيد 25%، لكن راتنجات الأكريليك تصل إلى 82%، والراتنجات البوليسترية المشبعة 89%، بينما تعتمد راتنجات البولي يوريثان والإيبوكسي بشكل شبه كامل على الإمدادات الأجنبية.

التوقعات: التعديل الهيكلي مستمر

يتوقع محللو القطاع تفاقم الوضع في 2026-2027. ويتنبأ يفغيني فيسوتسكي، المدير التنفيذي لـ”CM Pro”، بانخفاض إنتاج الأسمنت بنسبة 21% خلال السنوات الثلاث المقبلة، من 66.5 مليون طن في 2024 إلى 52.8 مليون طن في 2027.

ويكمن عدم اليقين الرئيسي في ما إذا كان بناء البنية التحتية والصناعي قادراً على تعويض انخفاض التطوير السكني. ووفقاً لتحليلات “T-Bank”، تبلغ النفقات الفيدرالية على البنية التحتية المخطط لها للفترة 2026-2028 نحو 5.6 تريليون روبل، بزيادة 9% في 2026 ونمو سنوي 19% في 2027-2028. وفي عام 2025، افتُتح 72 منشأة صناعية كبيرة في جميع أنحاء روسيا، مقابل 52 في 2024، وكل منها يستهلك كميات كبيرة من مواد البناء.

ومع ذلك، يبقى غير مؤكد ما إذا كانت هذه الاستثمارات كافية لاستيعاب الطاقة الخاملة في قطاع الأسمنت ومواد البناء. فمع عمل القطاع بنصف طاقته واستمرار تدفق الواردات بأسعار تنافسية، يواجه المنتجون الروس فترة تعديل طويلة قد تشمل مزيداً من إغلاق المصانع وتجميد الطاقة الإنتاجية والاندماج.